الخدمة الاجتماعية

اهلا وسهلا بك في منتدى الخدمة الاجتماعية
مع تحيات د/ حمدى عبدالله
انت غير مسجل
الخدمة الاجتماعية

منتدى يتناول كل ما يتعلق بالخدمة الاجتماعية من اعداد د/ حمدى عبدالله عبدالعال

اللهم صَلِّ على محمد وعلى آلِ محمد كما صَلَّيْتَ على ابراهيم وعلى آلِ ابراهيم وَبَارِكْ على محمد وعلى آلِ محمد كما بَارَكْتَ على ابراهيم وعلى آلِ ابراهيم في العالمين إنك حميد مَجِيدٌ

اللهم صَلِّ على محمد وعلى آلِ محمد كما صَلَّيْتَ على ابراهيم وعلى آلِ ابراهيم وَبَارِكْ على محمد وعلى آلِ محمد كما بَارَكْتَ على ابراهيم وعلى آلِ ابراهيم في العالمين إنك حميد مَجِيدٌ

تنويه هذا المنتدى خاص بالدكتور حمدى عبدالله وليس له علاقة بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية وغير مسئول عن اي شئ خاص بالمعهد وانما هو خاصة بمهنة الخدمة الاجتماعية بصفة عامة

    الدولة المدنية

    شاطر
    avatar
    Dr_hamdy
    مدير المنتدى

    ذكر عدد المساهمات : 700
    تاريخ التسجيل : 07/03/2010
    العمر : 37

    الدولة المدنية

    مُساهمة من طرف Dr_hamdy في السبت يوليو 30, 2011 1:11 am

    الدَّوْلَةُ الْـمَدَنِيَّةُ .. الْـمَفَاهِيمُ وَالْأَحْكَامُ
    (1)

    بِسْمِ اللهِ ، وَالْـحَمْدُ للهِ ، وَبَعْدُ ..
    فهذِهِ ورقةٌ مختصرةٌ جدًّا في بيانِ مصطلحِ «الدَّوْلَةِ الْـمَدَنِيَّةِ» تحريرًا لمفاهيمِهِ وتقريرًا للأحكامِ الشَّرعيةِ المتعلقةِ به .
    وظاهرٌ جدًّا أنَّ إرادةَ الِاخْتصارِ مع العجلةِ إلى البيانِ ستدفعُ إلى تجاوزِ عددٍ مِنَ الْأسسِ التي يحتاجُهَا تمامُ بيانِ هذا المصطلحِ ، ولهذا فنعدُ ببيانٍ أوفَى ، وبحثٍ أتمٍّ فِي أقربِ فرصةٍ ، وَ«مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ».

    أَوَّلًا : أَرْكَانُ الْـمُصْطَلَحِ :

    1 ـ الدَّوْلَةُ (state) :
    * في العربيةِ : ترجعُ مادَّتِهَا لدورانِ الحالِ وانتقالِهِ ، وتَختصُّ «الدُولَةُ» ـ بضمِّ الدَّالِ ـ بالانتقالِ والتعاقبِ في أمورِ الدُّنيا كالمالِ والجاهِ ،و«الدَّوْلَةُ» ـ بالفتحِ ـ بالانتقالِ في الحربِ كأن ينتقلَ النَّصرُ من فئةٍ إلى فئةٍ ، وَقِيلَ : «هما سواء» . [«معجمُ المقاييسِ» لابنِ فارسٍ «بابُ الدَّال ، والواوِ ، وما يُثلِّثُهَا» ، و«لسانُ العربِ» «حرفُ الدَّالِ فصلُ اللَّامِ» ، و«الكلياتُ» للكفويِّ (ص/450)] .
    * والدَّوْلَةُ فِي الِاصْطِلَاحِ السِّيَاسِيِّ : «مجموعٌ كبيرٌ مِنَ الْأفرادِ ، يقطُنُ بصفةٍ دائمةٍ إِقليمًا مُعيَّنًا ، ويتمتعُ بالشخصيةِ المعنويَّةِ ، بنظامٍ حكوميٍّ ، واستقلالٍ سياسيٍّ» .

    [ «المعجمُ الوسيطُ» مَادَّةُ : «دال»].
    * وَتُسْتَخْدَمُ كَلِمَةُ «دَوْلَةٍ» لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَدْلُولَيْنِ :
    1 ـ كلُّ الأشخاصِ والمؤسساتِ الذين ينتظمُهُمُ الْإطارُ السياسيُّ للمجتمعِ.
    2 ـ مؤسسةُ الحكومةِ ، فيستعملُ المصطلحُ هنا في مقابلِ الشعبِ .
    ولم تُستعملْ هذه الكلمةُ للدَّلالةِ على هذا المعنَى إلَّا في مراحلَ متأخرةٍ سواءٌ في اللغاتِ الغربيةِ أو اللغةِ العربيةِ ، وكانت بدائلَهَا في العربيةِ ألفاظٌ ، مثلُ : «الدَّارُ ـ الخِلافةُ ـ السَّلطنةُ ـ المملكةُ ـ البلادُ» .
    وبدائلُهَا في اللغاتِ الغربيةِ (Polis) عندَ اليونانِ ، و(Res Publica) عندَ الرُّومانِ و(Civitas) في العصورِ الوسطَى .

    [«العلمانيةُ الجزئيَّةُ ، والعلمانيةُ الشاملةُ» للمسيريِّ (2/72)] .
    2 ـ الْـمَدَنِيَّةُ (Civilization) ([1]) :
    نسبةٌ إلى المدينةِ وتدلُّ على نمطِ الحياةِ في المدينةِ ، مُعبرةً - في رأي بعضهم - عَنِ الْعناصرِ الظاهرةِ الفعالةِ الْـمُحركةِ من بينِ عناصرِ حضارةِ المدينةِ ([2]) ،وهي مرادفة للحضارة عند الأكثر، وتُستعملُ هذه اللَّفظةُ في كثير من الأوساطِ الثقافيَّةِ في مقابلِ عِدَّةِ كلماتٍ ، تتضحُ دلالتُهَا ببيانِهَا ، وهي :
    1 ـ الْـمَدَنِيَّةُ : كمقابلٍ للبداوةِ ، فهي هنا بمعنَى : «الحضارةِ والعمرانِ» ([3]) .
    2 ـ الْـمَدَنِيَّةُ : كمقابلٍ للعسكريةِ ، فيُقالُ : «لباسٌ مدنيٌّ ، ولباسٌ عسكريٌّ» .
    3 ـ الْـمَدَنِيَّةُ : كمقابلٍ للدينيَّةِ ، فيُقالُ : «العلومُ المدنيَّةُ» مقابلُ : «العلومُ الدينيَّةُ» .
    4 ـ ويُعبَّرُ في الفلسفةِ اليونانيَّةِ عن إدارةِ أمورِ المدينةِ بـ«السِّياسةِ المدنيَّةِ» ، ويُعرفونَهَا بأنَّهَا : «علمٌ بمصالحِ جمَاعَةٍ متشاركَةٍ في المدينةِ ؛ ليتعاونُوا على مصَالحِ الْأَبدَانِ ، وَبَقَاء نوعِ الْإِنْسَانِ» .
    ثَانِيًا : دَائِرَةُ الْـمَفَاهِيمِ الْـخَارِجَةِ عَنْ مَحَلِّ الْبَحْثِ :

    بعدَ مَا تقدَّمَ لابُدَّ من بيانِ ما هي المفاهيمُ التي إن استُعْمِلَ هذا المصطلحُ للدلالةِ عليهَا كان خارجًا عن محلِّ بحثنَا ، مع الإشارةِ لحُكْمِ استعمالِ هذا المصطلحِ بهذا المفهومِ ، فَنَقُولُ :
    1 ـ الدَّوْلَةُ الْـمَدَنِيَّةُ : بمعنَى الدولةِ المتحضرةِ التي تُنتشرُ فيها مظاهرُ الحضارةِ العمرانيَّةِ والثقافيَّةِ في مقابلِ : «القريةِ ، أو الباديةِ ، أو الدُّولِ المتخلفةِ حضاريًّا» .
    واستعمالُ هذا المصطلحِ بهذا المعنَى ، والمطالبةُ بدولَةٍ مدنيَّةٍ بهذا المرادِ لَا شيءَ فيهِ ، وليسَ ممنوعًا ، وإنَّمَا يُنظرُ بعدَ ذلكَ لبعضِ المفاهيمِ التي قَدْ يعدُّهَا البعضُ من الحضارةِ والتَّمَدُّنِ ، والواقعُ أنَّهَا ليستْ كذلكَ ، مثلُ : «تبرُّجِ النِّساءِ» ([4]) .
    والإسلامُ بهذا الاعتبارِ إنَّمَا يدعُو لإقامةِ الدَّولةِ على أسسٍ مِنَ الْـمدنيَّةِ والتحضُّرِ والعمرانِ ، وترتيبُ نُظُمِ تدابيرِ الْـمُلْكِ والحُكْمِ ، وتاريخُ الخلافةِ الإسلاميَّةِ عامرٌ بالنُّظُمِ الحضاريَّةِ ، والمظاهرِ العمرانيَّةِ ، والنشاطاتِ الثقافيَّةِ بصورةٍ لا يُنْكِرُهَا إلا مكابرٌ ، وقد كانتِ الثَّورةُ الحضاريَّةُ التي حرَّكَهَا الإسلامُ هي الْـمُؤثرُ الرئيسُ في النهضةِ الحضاريَّةِ الأوروبيَّةِ .
    2 ـ الدَّوْلَةُ الْـمَدَنِيَّةُ : بمعنَى الدولةِ غيرِ العسكريَّةِ ، والتي يتولَى الحُكْمَ فيهَا رجلٌ مدنيٌّ بنُظُمٍ مدنيَّةٍ ؛ لتوليَةِ الحُكْمِ ، وليسَ عن طريقِ الِانْقلاباتِ العسكريَّةِ والاستيلاءِ على الحكمِ بقوَّةِ السِّلَاحِ ونحوِ ذلك.
    واستعمالُ هذا المصطلحِ بهذا المعنَى ، والمطالبةُ بدولَةٍ مدنيَّةٍ بهذا الْـمُرادِ لَا شيءَ فيهِ ، وليسَ ممنوعًا ، والإسلامُ يدعُو لأنْ يتولَّى أمورَ المسلمينَ مَنْ يرضَوْنَهُ هُمْ ، ويمنعُ اغتصابَ السُّلطةِ والقفزِ عليهَا علَى غيرِ إرادةٍ من الشعبِ ؛ ولذلكَ كانت البيعةُ شرطًا لازمًا لصحةِ تولِّي الحكمِ ، والخلافُ بينَ الإسلامِ وبينَ غيرِهِ إنَّمَا هو في طبيعةِ وصورِ آليةِ اختيارِ النَّاسِ لِـمَنْ يتولَّى أمرَهُمْ ، أمَّا أصلُ أن يتولَّى أمرَ النَّاسِ مَنْ يرضونَهُ بطريقةٍ مدنيةٍ ؛ فهذا أصلٌ عظيمٌ من أصولِ السياسةِ في الإسلامِ .
    ثَالِثًا : الْـمَفْهُومُ مَحَلُّ الْبَحْثِ

    وإذنْ ؛ فالمفهومُ محلُّ البحثِ لمصطلحِ «الدولةِ المدنيَّةِ» هُوَ : الدولَةُ المدنيَّةُ بالمعنَى المقابلِ للدولةِ الدينيَّةِ .
    إذا تقرَّرَ ذلكَ ؛ فليسَ لمصطلحِ «الدولَةِ المدنيَّةِ» كمقابِلٍ لـ«لدولةِ الدينيَّةِ» مفهومٌ واحدٌ ، بَلْ تعدَّدَتْ مفاهيمُهُ بحسبِ مستعمليهِ ، وبحسبِ نوعِ الدَّولةِ الدِّينيَّةِ التي استعملُوا المصطلحَ في مقابلِهَا ؛ لذَا فسأسلكُ سبيلًا مختلفًا لتحريرِ مفهومِ هذا المصطلحِ يتلخَّصُ في بحثِ مفهومِ الدولةِ الدينيَّةِ ، والصورِ التي تتحققُ بها في الخارجِ ، مُبيِّنًا موقفَ الإسلامِ مِنْ كلِّ صورةٍ مِنْ صُورِ الدولةِ الدينيَّةِ ، ثُمَّ أقومُ بعدَ ذلكَ بتحليلِ مفهومِ الدولةِ المدنيَّةِ عندَ مَنِ اسْتعملُوهُ كمقابلٍ للدولةِ الدينيَّةِ مُعَيِّنًا مُرادُهُمْ بـ«الدولةِ الدينيَّةِ» التي يرفضونَهَا ، وهَلِ اقْتصرُوا علَى رفضِ دولةٍ دينيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ معهودةٍ فقطْ ، أَمْ هُمْ تعدَّوا ذلك إلى رفضِ مطلقِ الدولةِ الدينيَّةِ .

    ([1]) راجع الإشكالات حول تاريخ وتطور ترجمة هذا المصطلح في : «الحضارة ـ الثقافة ـ المدنية .. دراسة لسيرة المصطلح والمفهوم» لنصر محمد عارف ، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي (ص/33-55).

    ([2]) انظر : «الموسوعة الفلسفية العربية» (1/736).

    ([3]) انظر : «القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي» لعبد الرحمن شهبندر ، بواسطة نصر محمد عارف «الحضارة...».

    ( [4]) انظر : «تحرير المرأة» لقاسم أمين (ص/4).
    __________________
    اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وأصلح لنا شأننا كله ..
    رد مع اقتباس
    #2
    قديم 21-02-11, 05:19 PM
    أبو فهر السلفي أبو فهر السلفي غير متواجد حالياً
    وفقه الله

    تاريخ التسجيل: 12-09-05
    المشاركات: 4,320
    Lightbulb رد: الدَّوْلَةُ الْـمَدَنِيَّةُ .. الْـمَفَاهِيمُ وَالْأَحْكَامُ..
    (2)


    الصُّوَرُ الْـمُحَقِّقَةُ لِـمَفْهُومِ الدَّوْلَةِ الدِّينِيَّةِ


    يمكنُ تلخيصُ النظرياتِ التي تُبْنَى عليهَا الدولةُ الدينيَّةُ «الثِّيُوقْرَاطِيَّةُ» عمومًا إلى ثَلَاثِ نظرياتٍ :
    ـ نظريَّةُ «الطبيعةِ الإلهيَّةِ للحاكمِ» :
    هذه النظريَّةُ تقولُ : «إنَّ اللهَ موجودٌ على الأرضِ يعيشُ وسطَ البشرِ ويحكمُهُمْ ، ويجبُ علىالأفرادِ تقديسَ الحاكمِ ، وعدمَ إِبْدَاءِ أَيِّ اعْتِرَاضٍ» . هذه النظريَّةُ كانت سائدةً في المماليكِالفرعونيَّةِ ، والإمبراطورياتِ القديمةِ ، وبعضِ مراحلِ الدولةِ الفاطميَّةِ .

    [انْظُرِ : «الأنظمةُ السياسيَّةُ المعاصرةُ» للدكتورِ يحيَى الجملِ (ص/58)] .

    ـ نظريَّةُ «الحقِّ الإلهيِّ المباشرِ» :
    هذه النظريَّةُ تقولُ : «إنَّ الحاكمَ يُخْتَارُ وبشكلٍ مباشرٍ مِنَ اللهِ» ، أَيْ : إِنَّ الاختيارَ بعيدًا عَنْ إرادةِالأفرادِ ، وأَنَّهُ أمرٌ إلهيٌّ خارجٌ عن إرادتِهِمْ
    تَمْتَازُ بِـ :
    1 ـ لَا تجعلِالْحاكمَ إِلَهًا يُعْبَدُ .
    2 ـ الحُكَّامُ يستمدونَ سلطانَهُمْ مِنَ اللهِ مباشرةً .
    3 ـ لَا يجوزُ للأفرادِ مسألةَ الحاكمِ عن أيِّ شيءٍ .
    وهذه النظريَّةُ هي التي تبنتْهَا الكنيسةُ في فترةِ صراعِهَا مع السُّلطةِ الزمنيَّةِ ، كمَا استخدمَهَا بعضُ ملوكِ أوروبَا ـ خاصَّةً فرنسا ـ ؛ لتدعيمِ سُلطانَهُمْ على الشعبِ .

    [«النُّظُمُ السِّياسيَّةُ» للدكتورِ ثروت بدوي (1/6)] .




    ـ نظريَّةُ «الحقِّ الإلهيِّ غيرِ المباشرِ» :
    الحاكمُ مِنَ البشرِ ، لكنْ في هذه النَّظريَّةِيقومُ اللهُ باختيارِ الحاكمِ بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ ، حيثُ يقومُ مجموعةٌ مِنَ الأفرادِباختيارِ الحاكمِ ، وتكونُ هذه المجموعةُ مُسَيَّرَةٌ لا مُخَيَّرَةٌ في اختيارِ الحاكمِ ـ أَيْ : مُسَيَّرَةٌ مِنَاللهِ ـ . [«النُّظُمُ السِّياسيَّةُ» لمحسن خليل (ص/20)] .
    وسنعرضُ لصورَتَيْ : «دولَةِ الكنيسةِ ، والحقِّ الإلهيِّ الملكيِّ» ؛ لأنَّهُمَا بالدرجةِ الأُولى هُمَا المؤثرتَيْنِ في نشأةِ مفهومِ «الدولةِ المدنيَّةِ» .

    ·الصُّورَةُ الأُولَى مِنْ صُوَرِ الدَّوْلَةِ الدِّينِيَّةِ : «دَوْلَةُ الْكَنِيسَةِ»

    «لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلَاطِينِ الْعَالِيَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا سُلْطَانَ إِلَّا مِنَ اللهِ ، وَالسَّلَاطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ * حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ ، وَالْـمُقَاوِمُونَ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً * لِأَنَّ الرُّؤَسَاءَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ ، أَفَتَبْتَغِي أَلَّا تَخَافَ مِنَ السُّلْطَانِ ؟ افْعَلِ الْخَيْرَ فَيَكُونُ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ * لِأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لَكَ لِلصَّلَاحِ ! وَلَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ ؛ فَإِنَّهُ لَـمْ يَتَقَلَّدِ السَّيْفَ عَبَثًا ؛ لِأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ * لِذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضَعَ لَهُ لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ فَقَطْ ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الضَّمِيرِ * فَإِنَّكُمْ لِأَجْلِ هَذَا تُوَفُّونَ الْجِزْيَةَ أَيْضًا ؛ إِذْ هُمْ خُدَّامُ اللهِ مُوَاظِبُونَ عَلَى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ * فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمْ : الْجِزْيَةُ لِـمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ ، وَالْجِبَايَةُ لِـمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ ، وَالْـمَهَابَةُ لِـمَنْ لَهُ الْـمَهَابَةُ ، وَالْكَرَامَةُ لِـمَنْ لَهُ الْكَرَامَةُ * لَا تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلَّا بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَحَبَّ قَرِيبَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ * لِأَنَّ «لَا تَزْنِ ، لَا تَقْتُلْ ، لَا تَسْرِقْ ، لَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ ، لَا تَشْتَهِ» ، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَي إِنَّمَا هِيَ مُتَضَمِّنَةٌ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ : «أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ» * إِنَّ الْـمَحَبَّةَ لَا تَصْنَعُ شَرًّا بِالْقَرِيبِ ، فَالْـمَحَبَّةُ إِذًا تَكْمِيلُ النَّامُوسِ * هَذَا ؛ وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ أَنَّهَا الْآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ ؛ لِأَنَّ خَلَاصَنَا الْآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا * قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ ، وَاقْتَرَبَ النَّهَارُ ؛ فَلْنَخْلَعْ عَنَّا أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ ، وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ * لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ ، لَا بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ ، لَا بِالْـمَضَاجِعِ وَالْعَهَرِ ، لَا بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ * بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْـمَسِيحَ ، وَلَا تَهْتَمُّوا بِالْجَسَدِ لِلشَّهَوَاتِ ، نِعْمَةُ اللهِ الْآبِ». [العهد الجديد ـ «الرسالة لأهل رومية» : (13/1 ـ 14)] .
    هذا هو ما كتبَهُ القديسُ بولسُ في رسالتِهِ لأهلِ روميَّةَ ، وهذا هو النَّصُّ الأهمُّ في تاريخِ الجدلِ السِّياسِيِّ حولَ الدولةِ الدينيَّةِ ، وموقفُ الكنيسةِ والسِّياسيينَ وفهمُهُمْ لهذا النَّصِّ عبرَ المراحلِ التاريخيَّةِ هو ما شكَّلَ المفاهيمَ المتعددَةَ للدولةِ الدينيَّةِ ، وسنبدأُ من هذا النَّصِّ مُهملينَ النصوصَ المتصلةَ بمحلِ البحثِ ، والتي وردتْ في العهدِ القديمِ ، والتي كانَ لها أثرٌ ـ ولا شكَّ ـ في تشكيلِ مفهومِ الدولةِ الدينيَّةِ ، ولكنْ لضيقِ المقامِ سنضطرُّ لإرجاءِ النَّظَرِ فيها الآنَ .

    الطَّوْرُ الْأَوَّلُ لِـمَوْقِفِ الْكَنِيسَةِ مِنَ الدَّوْلَةِ :
    «ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ ـ أي : للمسيحِ عليهِ السَّلامُ ـ قَوْمًا مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْهِيرُودُسِيِّينَ ؛ لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ ، فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا لَهُ : «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ ؛ لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ ، أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ ، أَمْ لاَ ؟ نُعْطِي ، أَمْ لاَ نُعْطِي ؟»، فَعَلِمَ رِيَاءَهُمْ ، وَقَالَ لَـهُمْ : «لِـمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي ؟ إِيتُونِي بِدِينَارٍ لأَنْظُرَهُ»، فَأَتَوْا بِهِ ، فَقَالَ لَـهُمْ : «لِـمَنْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ ؟» ، فَقَالُوا لَهُ : «لِقَيْصَرَ» ، فَأَجَابَ يَسُوعُ : «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلهِ لِلهِ» ؛ فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ » .

    [«مرقس» : (12/13 ـ 17)]

    هكذَا يرَى النَّصَارَى موقفَ المسيحِ ـ عليهِ السَّلامُ ـ مِنَ الدَّولةِ، ومرَّ علَى هذا النَّصِّ ـ إنْ كانَ المسيحُ قد قالَهُ ـ ثلاثمائةُ عامٍ، وَلَـمْ يتغيَّرْ موقفُ الكنيسةِ، وها هو الأسقفُ القرطبيُّ «هوسيوس» يكتبُ إلَى الإمبراطورِ الرومانيِّ «قسطنطيوس»: «اللهُ وضعَ في يدكَ هذه المملكةَ، وإلينَا سلَّمَ أمورَ الكنيسةِ ، مكتوبٌ : «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ» .. إِذَنْ ليسَ مِنْ حقِّنَا أنْ نُمارسَ أُمورَ الدُّنيَا .. وليسَ من حقِّكَ أيُّهَا الأميرُ أنْ تحرقَ البخورَ» .
    إلى هنا فالتفسيرُ الكنسيُّ لنصِّ بولسَ السَّابقِ ينحصرُ في احترامِ قيصرَ ، وفصلِ العلاقةِ بينَ «الرُّوحِيِّ» الدِّينِ و«الزَّمَنِيِّ» الدَّوْلَةِ ، وناسبَ هذا تمامًا سياسةَ أباطرةَ الرُّومانِ ، كيفَ لَا، وقد تعدتِ الْكنيسةُ مرحلةَ الِاحْترامِ إلى جعلِهَا الإمبراطورَ هو الأسقفُ الأعلَى ، وأنَّهُ إنسانٌ مقدسٌ اختِيرَ مِنَ اللهِ ليكونَ مُمَثِّلًا له على الأرضِ ، ليختلطَ مَا لقيصرَ ومَا للهِ باعتبارٍ آخرَ يقومُ على إعطاءِ حقوقٍ وصفاتٍ دينيةٍ للحاكمِ .

    [انظُرِ : «العالَـمُ البيزنطِيُّ» لهسي (ص/230»)] .


    ـ الطَّوْرُ الثَّانِي :
    «وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا : أَنْتَ بُطْرُسُ ، وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ ابْنِي كَنِيسَتِي ، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا * وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاوَاتِ ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ» .

    [«متى : 16(/18 ـ 19)] .

    لاعتباراتٍ تاريخيَّةٍ لا محلَّ لبسطِهَا هنا بدأتِ الْعلاقَةُ بينَ الكنيسةِ والدولةِ في اتِّخاذِ مُنْحَنًى آخرَ قَوِيَتْ فيه شوكةُ الكنيسةِ ، وضعفتْ شوكةُ الدولةِ بالمقابلِ ، وفي أواخرِ القرنِ الخامسِ رأينَا الأبَ «جلازيوس» يخاطِبُ الإمبراطورَ «انسطاسيوس الأولَ» قَائِلًا : «ومعَ أنَّ مكانتكَ مرموقَةً أيُّهَا الإمبراطورُ ؛ فإِنَّ أحدًا لَا يمكنُ أن يعلوَ بنفسهِ ، بأساليبَ بشريَّةٍ ، ليقاربَ تلكَ المكانةَ السَّاميةَ للذِي خاطبَهُ صوتُ المسيحِ وفضلَّهُ على الآخرينَ .. إِنَّ الأمورَ الَّتِي أقرَّتْهَا الإرادةُ السَّمَاوِيَّةُ ، لَا يمكنُ أن تُنتهكَ بعجرفَةِ بني البشرِ ، ولا يمكنُ أن تُمحى بأيِّ سلطةٍ» .
    وظلتْ الكفَّةُ تميلُ إلى ناحيةِ الكنيسةِ قرنًا من بعدِ قرنٍ حتَّى لم يأتِ الْقرنُ الحادي عشرَ إلَّا وقد طاشتْ كفَّةُ الدولةِ لصالحِ كفَّةِ الكنيسةِ ، ولنقرأْ خطابَ الأبِ «جريجوري السابعِ» (1085) ، وهوَ يخاطبُ رجالَ الدِّينِ مُستعيدًا نصَّ العهدِ الجديدِ الذي صدَّرْنَا بِهِ بقولِهِ : «ألَا فليُدْرِكِ الْعالَـمُ أجمعُ أنَّهُ إن كانَ بمقدورِكُمُ الرَّبْطُ والحلُّ في السَّماءِ ؛ فإنَّكُمْ على الأرضِ قادرونَ على أن تُعطوا الْـمُلْكَ من تشاءُونَ ، وتنزعُونَهُ مِمَّنْ تشاءُونَ في الإمبراطورياتِ والممالكِ .. بَلْ إنْ شئتُمْ : في كلِّ ما يمتلكُهُ البشرُ».
    وأَخَذَتِ الْبابويَّةُ تظهرُ علَى الساحةِ الدوليَّةِ ككِيَانٍ سياسيٍّ ، تعقدُ التحالفاتِ ، والمهادناتِ ، وتُمَكِّنَ لنفسهَا فِي الأرضِ ، وبدأتْ وقائعُ الحرمانِ الكنسيِّ للملوكِ والأمراءِ ، وسيطرتُ الكنيسةِ على مقاليدِ الدولةِ تمامًا ، وحملتْ رايةَ الحروبِ الصليبيَّةِ ، وظلتْ تنتصرُ في معركةٍ تلوَ الأخرَى من معاركِهَا معَ الدولةِ حتَّى بسطَتِ الْكنيسةُ رايتَهَا على جميعِ دُولِ أوروبَّا في حكومةٍ قوامُهَا الكهنةُ والأساقفةُ والكرادلَةُ ، ويرأسُهَا بابا الكنيسةِ .
    لتُشكلَّ بهذا النموذجِ الأشهرِ لدولةٍ دينيَّةٍ تمثلتْ أبرزُ معالِـمِهَا في سيطرةِ البابا بسمُوِّهِ على الحاكِمِ الدنيويِّ وعلى سلطاتِهِ ، فكانَ الحُكْمُ الدنيويُّ والحاكمُ الدنيويُّ تابعينِ للحاكمِ الدينيِّ ، يولِّي مَنْ يشاءُ ، ويعزلُ مَنْ يشاءُ ، ويحرمُ مَا يشاءُ ، ويبيحُ مَا يشاءُ ، ويُدْخِلُ الجنةَ مَنْ يشاءُ ، ويَحْرِمُ منها مَنْ يشاءُ ، ولا يجوزُ الِاعْتراضُ عليهِ ، فتصرفاتُهُ معصومَةٌ ، مع حياطَةِ ذلكَ بسياجٍ مِنَ التَّعذيبِ ومحاكمِ التفتيشِ لكلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نفسُهُ أَنْ يخالفَ سياسَةَ البابا ، كيفَ لَا وهُوَ نائبُ الرَّبِّ في الأرضِ ، ويقضِي باسمِهِ ؟!!

    ·الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صُوَرِ الدَّوْلَةِ الدِّينِيَّةِ : «دَوْلَةُ الْـحَقِّ الْإِلَـهِيِّ الْـمَلَكِيِّ»
    تُعَدُّ هذه الصورةُ مِنْ صورِ «الدولةِ الدينيَّةِ» ، والتي طُرِحَتْ كمفهومٍ مقابلٍ لـ«دولةِ الحقِّ الشعبيِّ» مبنيَّةً على نفسِ أساسِ دولةِ الكنيسةِ مِنْ أَنَّ أصلَ سُلطةِ الحكمِ هو أصلٌ دينيٌّ ، ولكنْ تمَّ تطويرُ هذا المفهومِ مَعَ انْحسارِ أثرِ الكنيسةِ في توليةِ الملوكِ ، بحيثُ يبقَى للملوكِ نفسُ النيابةِ الإلهيةِ رغمَ ضعفِ أثرِ الكنيسةِ ، وانحسارِ دولتِهَا ، ولنتأملِ الْآنَ هذه العباراتِ التي نقرأُهَا للأميرِ «جيمس» الذي أصبحَ بعدَ ذلك «جيمس الأول» ملكُ إنجلترَا :
    «مَرْكَزُ الملكيَّةِ أسمَى شيءٌ علَى الأرضِ ؛ إِذْ ليسَ الملوكُ فقطْ نوابُ اللهِ على الأرضِ ، ويجلسونَ على عرشِ اللهِ ، ولكنْ حتَّى اللهَ نفسَهُ يدعوهُمْ الآلهةَ» .
    وَيَقُولُ شارِحُهُ : «وهَذَا يستتبعُ بالضرورةِ أنَّ الملوكَ هُمُ الَّذينَ يخلقونَ القوانينَ وَيَصْنَعُونَهَا ، وليستِ الْقوانينُ هي التي تخلقُ الملوكَ وتصنَعُهُمْ» .
    وَيَقُولُ جيمسُ : «لَا يجوزُ شرعًا المنازعةُ فِي سرِّ سلطةِ الْـمَلِكِ ؛ لِأَنَّ معنَى ذَلِكَ هُوَ الْخَوْضُ في ضعفِ الأمراءِ ، وإزالةِ الِاحْترامِ الخفيِّ الذي هُوَ من حقِّ الذينَ يجلسونَ على عرشِ الرَّبِّ» [«تطور الفكر السياسي» لجورج سباين (ص/544)] .

    (3)

    مَوْقِفُ الْإِسْلَامِ مِنَ الدَّوْلَةِ الدِّينِيَّةِ وِفْقَ النَّظَرِيَّاتِ وَالْـمَعَانِي السَّابِقَةِ

    إذا تأملْنَا في العرضِ المختصرِ السَّابقِ ، وحاولنَا استخراجَ أهمِّ معالِـمِ مفهومِ الدولةِ الدينيَّةِ «الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ» ، ونظريَّاتِهَا المؤسَّسَةِ ، وموقفِ الإسلامِ منهَا ؛ سَيَظْهَرُ لنَا بوضوحٍ شديدٍ أنَّ الإسلامَ يرفضُ تمامًا أنْ يكونَ لأحدٍ غيرَ نصِّ الوحيِ حاكمِيَّةً علَى الخلقِ ، فالنَّبِيُّ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ـ إِنَّمَا يتكلَّمُ بوحيٍ يوحَى إليهِ مِنَ اللهِ ، وبموتِهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ـ انقطعَ الوحيُ ، ولَـمْ تبقَ إلَّا اجتهاداتُ العلماءِ في فهمِ هذا الوحيِ ، فيختلفونَ ويتفقونَ ، وليستْ كلمةُ واحدٍ منهُمْ بدينٍ يجبُ اتباعُهُ ، وليستْ لواحدٍ منهُمْ عصمةٌ ولَا شبهُهَا ، ولَا يملكُ واحدٌ منهُمْ مهمَا عَظُمَ قدرُهُ أنْ يولِّي بنفسِهِ حاكمًا ، أو يخلَعَهُ ، بلْ ذلكَ لمجموعِ أهلِ الحلِّ والعقدِ وِفْقَ أصولٍ شرعيَّةٍ منصوصةٍ ، ولَـمْ يُتْرَكِ الْأمرُ لأهواءِ أهلِ الحلِّ والعقدِ ، وذهبَ فريقٌ من فقهاءِ المسلمينَ إلى أنَّ رأيَ أهلِ الحلِّ والعقدِ ليسَ مُلْزِمًا لعمومِ الأمَّةِ ، ولابُدَّ للأمَّةِ مِنْ إقرارِ ما ينتهِي إليهِ أهلُ الحلِّ والعقدِ ، وأنْ يرضَوْا عنْهُ ، ولا يتمُّ لِـمَنِ اختارَهُ أهلُ الحلِّ والعقدِ الحكمُ حتَّى تَرْضَى الأمةُ وتبايعُ ، وهذا الحاكمُ إنَّمَا بُويِعَ باختيارِ الشعبِ ، وهو مأمورٌ أن يحكمَ بينهُمْ بما أنزلَ اللهُ ، ولا طاعةَ لهُ إنْ أمرَهُمْ بمعصيةٍ ، ويجوزُ عزلُهُ وخلعُهُ عن منصبِ الحكمِ بشروطٍ معروفةٍ ، وليستْ لَهُ طبيعةٌ إلهيَّةٌ ، ولَا يُنَصَّبُ بحقٍّ إلهيٍّ مُباشرًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَ مباشرٍ ، وليسَ نائبًا عَنِ اللهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ ، وإنَّمَا هو وكيلٌ وكلَتْهُ الأُمَّةُ لضبطِ شؤونِهَا.
    بهذَا العرضِ المختصرِ لأسسِ نظامِ الحكمِ في الإسلامِ تظهرُ بوضوحٍ خطوطُ التقاطعِ والرفضِ الإسلاميِّ للدولةِ الدينيَّةِ القائمةِ على النظرياتِ السابقةِ ، وبمراجعةِ تفاصيلِ هذا العرضِ في مصادرِ الفقهِ السياسيِّ يتضحُ التباينُ الشديدُ بينَ هذا البغيِ والظلمِ الكنسيِّ ، وبينَ دينِ العدلِ والمرحمةِ .


    __________________
    اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وأصلح لنا شأننا كله ..
    رد مع اقتباس
    #3
    قديم 21-02-11, 05:29 PM
    أبو فهر السلفي أبو فهر السلفي غير متواجد حالياً
    وفقه الله

    تاريخ التسجيل: 12-09-05
    المشاركات: 4,320
    Lightbulb رد: الدَّوْلَةُ الْـمَدَنِيَّةُ .. الْـمَفَاهِيمُ وَالْأَحْكَامُ..


    (4)

    مفهومُ الدولةِ المدنيَّةِ وِفْقَ الدافعِ التاريخيِّ لنشأتِهَا كفلسفةٍ رافضةٍ للدولةِ الدينيَّةِ بالمعانِي السابقِ ذكرُهَا .


    تكوَّنَ مفهومُ الدولةِ المدنيَّةِ عبرَ كتاباتِ عددٍ مِنْ فلاسفةِ أوروبَّا الحديثةِ ، وسنحاولُ استعراضَ مقتطفاتٍ من كلامِهِمْ نُدَلِّلُ بها علَى مفهومِ الدولةِ المدنيَّةِ عندهُمْ ، كمَا سنستخلصُهُ من طرحِهِمْ .
    1 ـ «ميكيافِيلِّي» (1496-1527).
    لـم يؤسسِ «ميكيافيلي» في كتابِهِ «الأميرِ» لدولةٍ غيرِ دينيَّةٍ تفُكُّ عنْ نفسِهَا قيدَ الدِّينِ والحكمِ الدينيِّ فَحَسَبْ ، بلْ أسسَ لدولةٍ لَا تخضعُ لأيِّ منظومةٍ قِيَمِيَّةٍ ، أَوْ أخلاقيَّةٍ على الإطلاقِ ، فدولَةُ «ميكيافيلي» لَا ينبغِي أَنْ تخضعَ لأيِّ مرجعيَّةٍ متجاوزةٍ تعوقُ الأميرَ عَنِ اتِّخاذِ السياساتِ التي يراهَا مناسبةً ، وكانتْ تلكَ هي البذرةَ الأُولَى لنزعِ المطلقِ الدينيِّ ، بلْ وَالْقِيَمِيِّ عَنِ الدَّولةِ.
    يَقُولُ ميكيافيلِّي : «فَمِنِ الخيرِ أنْ تتصفْ بالرحمةِ ، وحفظِ الوعدِ ، والشعورِ الإنسانيِّ النبيلِ ، والأخلاقِ والتديُّنِ ، وأنْ تكونَ فِعْلًا مُتَّصِفًا بها ، ولكنْ عليكَ أنْ تُعِدَّ نفسكَ عندمَا تقتَضِي الضرورةُ ، لتكونَ مُتَّصِفًا بعمِهَا» .
    وَيَقُولُ : «وفِي أعمالِ جميعِ النَّاسِ ولاسِيَّمَا الأمراءَ ـ وهي حقيقةٌ لَا استثناءَ فيهَا ـ تُبَرِّرُ الغايةُ الوسيلةَ».
    ولَا تخطيءُ عينكُ نبرةَ السُّخريةَ التي تحدَّثَ فيهَا ميكيافيلِّي عَنِ الْإماراتِ الكَنَسِيَّةِ ، ولَا محاولَتَهُ الملتفةَ للإعراضِ عَنِ الْحديثِ عنها خوفَ سطوةِ الكنيسةِ ، أَوْ كلامَهُ عَنِ الْأثرِ السيِّئِ للكنيسةِ بنفسِ الطريقةِ الملتفةِ فِي «المطارحاتِ» (ص/267-269).
    ويهمُّنَا الآن الإشارةُ لبدايةِ ظهورِ المصطلحِ([1]) في البابِ التاسعِ من كتابِ «الأميرِ» والذي كان عُنوانُهُ : «في الإماراتِ المدنيَّةِ» ويقولُ ميكيافيلِّي في مطلعِهِ : «ولكنَّا نصلُ الآن إلى الحالةِ التي يصبحُ فيها مواطنٌ أميرًا برغبةِ أقرانِهِ المواطنينَ ، وليسَ بالجريمةِ أَوِ الْعنفِ الذي لا يُطاقُ ؛ وقد تُسمَّى هذه الحالةَ بـ«الإمارةِ المدنيَّةِ» ، وبلوغُ هذه الولايةِ لا يتوقَّفُ بتاتًا على الجدارةِ أَوِ الْحظِّ ، ولكنَّهُ يعتمدُ بالأحرَى علَى المكرِ يُعينُهُ الحظُّ ؛ لِأَنَّ المرءَ يبلغُهَا برغبةِ الشَّعبِ ، أو بإرادةِ الطبقةِ الأرستقراطيَّةِ» . [الأمير (ص/241)].
    وإذنْ ؛ فمشاركَةُ ميكيافيلي في وضعِ أسسِ مفهومِ الدولةِ المدنيَّةِ تتمثلُ في إرسائِهِ لمعنيينِ ذويْ أثرٍ في مفهومِ الدولةِ المدنيَّةِ عندَ هذه الطبقةِ مِنْ فلاسفةِ أوروبَّا :
    الْـمَعْنَى الْأَوَّلُ : «نزعُ المطلقِ الدينيِّ والقيميِّ عَنْ تصرفاتِ السياسيِّ» .
    الْـمَعْنَى الثَّانِي : «توضيحُ آليةِ اختيارِ الأميرِ عبرَ الإرادةِ الشعبيةِ ، أو باختيارِ طبقةِ النبلاءِ، وتسميةُ ذلك بالإمارةِ المدنيَّةِ».

    2 ـ «جان بودان» (1530ـ 1596).
    في عامِ (1576م) نشرَ الفرنسيُّ «جان بودان» كتابَهُ «ستةَ كتبٍ عن الجمهوريَّةِ» ، وأعادَ نشرَهُ بعدَ توسعتِهِ عامَ (1586 م ) ، وتُرْجِمَ للإنجليزيَّةِ عامَ (1606).
    يَقُولُ «جورج سباين» : «وترجعُ أهميَّةُ الكتابِ إلى أنَّهُ أخرجَ فكرةَ السُّلْطَةِ ذاتَ السِّيَادَةِ من سجنِ اللَّاهُوتِ ، حيثُ تركتْهَا نظريَّةُ الحقِّ الإلهيِّ» . (ص/548).
    يقول جَان بودان : ((إنَّ العلامةَ الأولى للأمير المتمتعِ بالسيادةِ،هي قدرته على منحِ القوانين للجميعِ على وجه العمومِ،ولكلِ واحد على وجهِ التخصيصِ،بغض النظر عَن رِضا مَن هو أعلى وَمن هو مماثل ومن هو أدنى،ومَهما كان نوعه؛ذلك لأنه إذا ما كان الأمير ملزماً على ألا يضع القانون إلا بموجب رضا الأعلى أي أعلى = فإنه سيكون واحداً من الرعايا ،سواء تمثل هؤلاء في مجلسِ الشيوخِ ،أو في الشعب،فإنه سوف لا يكون صاحبَ سيادة)).
    وهكذا ينحلُ جان بودان من أي قَيد قِيَمِي أو ديني أو حتى شعبي يقيدُ الملكَ أو سلطاته في إصدارِ القوانين،وهو وإن تكلم عن وجوبِ مراعاةِ الخيرِ العامِ أو الملكية الخاصة فهذه نفسها عنده لا تختلفُ عن وجوب سيادةِ الأمير سيادةً مطلقة فهي مجموعة من المسلمات المسبقة لحفظ الحكم وليست قيوداً تفصيلية تظهر عند وضع القوانين،ولذلك فقد أكد هو على أنَّه لا يتصور أن يقعَ الأميرُ في مخالفة ذلك إلا نادراً.
    3 ـ «توماس هوبز» (1588ـ 1679).
    في عامِ (1651م) أصدرَ «توماس هوبز» كتابَهُ «اللوباثان»(leviathan) ، وهو لفظٌ عبريٌّ من مصطلحاتِ العهدِ القديمِ يصفُ وحشًا بحريًّا هائلًا يشبِهُ التِّنِّينَ .
    ومرادُ هوبز هُوَ : أنَّ على البشرِ أن يُحكَمُوا بواسطةِ دولةٍ تكونُ علَى غرارِ التنينِ ، حتَّى تقومَ بحمايتِهِمْ ،وفرضُ أسسِ النظام والمدنية على الإنسان الذي لا يصيرُ مدنياً سوى بهذه الطريقة، وفِي هذَا الكتابِ تعرَّضَ هوبز للدولةِ الدينيَّةِ وطبيعةِ دولتِهِ التنينِ ، وموقفِهَا من الحكمِ الدينيِّ ، وأدَّاهُ لهذا البحثِ أن هوبز قَدِ اختَارَ نظامَ الحكمِ الشموليِّ وفضلَّ منهُ الملكيَّةَ المستبِدَةَ كنظامٍ مثاليٍّ للحكمِ ، ويصلُ الملكُ للحكمِ باختيارِ الأغلبيَّةِ ، ولكنَّهُ لَـمْ يجعلْ على هذا الملكِ قيدًا حقيقياً بعدَ وصولِهِ للحكمِ سِوَى منعِهِ من قتلِ الأفرادِ ، أمَّا مَا دونَ ذلك فللملكِ سلطةٌ مطلقةٌ لا يُحَدُّ منها شيءٌ ، ولا يجوزُ الاعتراضُ عليهِ ، ولا الثورةُ عليهِ ، وأنَّ للحاكمِ أنْ يراقبِ كلَّ تعبيرٍ عنِ الرَّأيِ ، وألَّا يسمحَ بحقِّ التَّمَرُّدِ والعصيانِ وأنْ يقمَعَهُ كمَا يشاءُ ، والإنسانُ في نظرِ هوبز : «كائنٌ غيرُ مُنَظَّمٍ يحتاجُ لسلطةٍ ذاتِ سيادةٍ مطلقةٍ ؛ لتجعلَهُ مدنيًّا . [انظر : «موسوعة الفلسفة» لعبد الرحمن بدوي (2/562)] ([2]) .
    * وهذه مقتطفاتٌ من نصوصِ أقوالِ «هوبز» في دعوتِهِ لفصلِ الحكمِ عن مطلقِ الدينِ :
    ـ «إنَّ الحكومةَ الزمنيَّةَ والحكومةَ الروحيَّةَ لفظانِ لَـمْ يظهرَا إلى العالَـمِ إلَّا ليُحْدِثَا ازدواجيةً عندَ النَّاسِ ، بحيثُ يخطؤونَ معرفةَ الحاكمِ الشرعيِّ» (ص/300) .
    ـ «إنَّ التمييزَ بينَ الحكومةِ الروحيَّةِ ، والحكومةِ الدنيويَّةِ زائفٌ ، فكلُّ حكومةٍ في هذِهِ الحياةِ حكومةِ الدولةِ وحكومةِ الدينِ مؤقتةٌ تحتَ أمرِ صاحبِ سيادةٍ مدنيٍّ واحدٍ» (ص/189) .
    ـ «لَا يستطيعُ الإنسانُ أن يخدمَ سيدينِ([3]) ، ولا يمكنُ للسلطةِ الرُّوحيَّةُ أن تنفصلَ وتستقلَ عَنِ السُّلطةِ الزمنيَّةِ ، كمَا أنَّ الحكومةَ المشترَكةَ ، أَوِ الْـمُختلَطةِ بينهُمَا ، ليستْ حكومةٌ بالمعنَى الدقيقِ لهذِهِ الكلمةِ ، فلم يبقَ سِوَى أنْ تخضعَ إحداهُمَا للأخرَى ، أعنِي أنْ تخضعَ السُّلطةُ الرُّوحيَّةُ لسيطرةِ الدولَةِ ، فالأخطاءُ الَّتي وقعتْ فيهَا الأممُ بسببِ السُّلطةِ الرُّوحيَّةِ لَا حدَّ لها، ولهذا كانَ لابُدَّ أن نحدِّدَ بدقَّةٍ المكانَةَ التي يشغلُهَا الدينُ داخلَ الدولةِ ، وأنْ نبيِّنَ حدودَ السُّلطةِ الرُّوحيَّةِ».
    قُلْتُ : وهذه الحياةُ الرُّوحيَّةُ عندَهُ تقتصرُ حُرِّيَّتُهَا على الحياةِ الداخليَّةِ للإنسانِ ، أَمِ السُّلُوكِ الخارجيِّ مهمَا اتَّسَعَ نطاقُهُ أو ضاقَ فهو خاضعٌ لسيطرةِ السلطةِ الحكوميَّةِ ورقابَتِهَا .

    [انظر : «توماس هوبز .. فيلسوف العقلانية » : (ص/289)] .

    فقَدِ اتَّضحتْ معالِـمُ الدولةِ المدنيَّةِ التي يدعُو لها هوبز ، وأنَّهَا كما يقولُ الدكتورُ عبدُ الوهابِ المسيرِي : «يصبحُ قانونُ الدولةِ القانونَ المطلقَ الذي يفرضُهُ الملكُ فرضًا ، والدولةُ هنا أصبحتَ حرفيًا هِيَ «المطلقُ» ، و«المرجعيَّةُ النهائيَّةُ» ، ومن هنا ألَّهَ هوبز الدولةَ ، واعتبرَهَا إلهًا زمنيًّا مرتبطًا بالإلَهِ الخالدِ ، وقدْ اعتبرَهَا أيضًا التنينَ الحتميَّ» .

    [«العلمانيَّةُ الجزئيَّةُ ، والعلمانيَّةُ الشاملةُ» : (2/76)] .

    تبقَى فائدةٌ مهمةٌ : وهي أنَّ توماس هوبز لَـمْ يُمانعْ في أنْ تكونَ قوانينُ وأحكامُ الدِّينِ قانونًا يحكمُ في الناسِ بشرطِ أنْ يكونَ ذلك باختيارِ السلطةِ المدنيَّةِ ، ولا يُفرضُ عليهَا من قِبَلِ المؤسسةِ الدينيَّةِ ، ويتحولُ النصُّ المقدسُ ساعتَهَا إلى قانونٍ مدنيٍّ ويستمدُ قوتَهُ من هذه الناحيَةِ لا من كونِهِ دينًا ، فَيَقُولُ : «إنَّ الكتابَ المقدسَ لا يصبحُ قانونًا إلَّا إذا جعلَتْهُ السُّلطةُ المدنيَّةُ الشرعيَّةُ كذلِكَ» (ص/258) .
    ويمكنُ مراجعةُ صحةِ فهمِنَا لها فِي «توماس هوبز .. فيلسوف العقلانية» للدكتورِ إمامِ عبدِ الفتاحِ إمامِ (ص/429) .
    ولا يعارضُ هذا ما ذكرنَاهُ مِنْ أنَّ هوبز يدعُو لدولةٍ مطلقةٍ عن القيمِ والدينِ ؛ لأنَّ هوبز لَـمْ يجعلهَا مطلقةً عن القانونِ المدنيِّ الذي يختارُهُ الملكُ ، وهو لا يستطيعُ أن يُقيِّدَ الملكَ أو يمنَعَهُ إنْ أرادَ أنْ يجعلَ أجزاءَ هذَا القانونِ مأخوذَةً من النَّصِّ الدينيِّ ، وسنعودُ لهذِهِ الملاحظةِ بعد ذلك .


    4 ـ «اسبينوزا» (1632-1677).
    لـم يخرجِ اسبينوزا كثيرًا عن الخطوطِ التي رسمهَا أسلافُهُ مِنْ تقريرِ الأغلبيَّةِ كوسيلةٍ لوصولِ الحاكمِ في الدولةِ المدنيَّةِ ، ثُمَّ إطلاقِ هذه الدولةِ عَنْ مطلقِ القيدِ مِنَ الدِّينِ وغيرِهِ ، فَيَقُولُ في «رسالةٍ في اللاهوتِ والسياسةِ» : «إنَّ كلَّ شخصٍ في حالةِ الطبيعةِ مُلزَمٌ بالقانونِ الموحَى بِهِ كما أنَّهُ يعيشُ طِبقًا لنظامِ العقلِ ؛ لأنَّ ذلكَ ضروريٌّ لمصلحتِهِ ولخلاصِهِ ، ولكنَّهُ في ذلك حرٌّ أن يرفضَ ذلكَ متحملًا ما ينتجُ عن رفضِهِ من مخاطرَ وأضرارَ ، وهو أيضًا حرٌّ في أن يعيشَ كما يشاءُ لا كما يشاءُ الآخرونَ ، وليسَ عليهِ أن يعترِفَ بأيِّ مخلوقٍ حَكَمًا أَوْ مُدافعًا عَنْ حقِّ الدينِ ، هذا الحق ـ في رأيي ـ هو الذي تتمتعُ به السلطةُ العليَا ، التي تستطيعُ أنْ تأخذَ رأيَ الأفرادِ دونَ أنْ تكونَ مُلْزَمَةً بالاعترافِ بأيِّ فردٍ حَكَمًا ، أَوْ بأيِّ مخلوقٍ من فوقها مدافعًا عن أي حقٍّ (تأملْ إطلاقَ يدِ الدَولَّةِ فوقَ كلِّ المرجعياتِ) إلَّا إذا كانَ نبيًّا بعثهُ اللهُ وبرهنَ بآياتٍ لاشكَّ فيهَا على بعثتِهِ ، وحتَّى هذه الحالةِ ، تلتزمُ السلطةُ العليَا طاعةَ اللهِ فيما أوحِيَ به من قانونٍ ، فهي حرَّةٌ في ذلك ، وعليهَا أن تتحملَ ما ينتجُ عن ذلكَ من أضرارٍ أو أخطارٍ ، أعنِي أنَّهُ لا يمكنُ أن يقفَ في سبيلِ ذلكَ أيُّ قانونٍ مدنيٍّ أو طبيعيٍّ ؛ إذ يعتمدُ القانونُ المدنيُّ على مشيئةِ هذه السلطةِ وحدها ، أمَّا القانونُ الطبيعيُّ فإنَّهُ يعتمدُ على قانونِ الطبيعةِ الذي لا علاقةَ لها بالدينِ ، والذي يتخذُ المصلحةَ الإنسانيَّةَ هدفَه الوحيدُ بلْ تتعلَّقُ بنظامِ الطبيعةِ الشاملِ ..
    وَقَدْ يسألُنِي سائلٌ : «مَا العملُ إذا ما أعطتِ السُّلطةُ العليَا أمرًا مُناقضًا للدِّينِ .. هل يجبُ الخضوعُ للآمرِ الإلهيِّ أَمْ للآمرِ البشريِّ ؟» .
    أقولُ هنَا : عليهِ أن يطيعَ اللهَ قبلَ كلِّ شيءٍ عندمَا يكونُ لدينَا وحيٌ يقينيٌّ لا شكَّ فيهِ ، ومع ذلك فلمَّا كان اختلافُ طبائِعَهُمْ يُوَلِّدُ بينهُمْ ما يشبِهُ المنافسَةَ على الأوهامِ الباطلةِ ، كما تشهدُ التجربَةُ اليوميَّةُ مرارًا وتكرارًا ، فمِنَ الـمُؤَكَّدِ أنَّهُ لو لَـمْ يكنِ الْـمَرْءُ مُلْزَمًا بموجبِ القانونِ بطاعةِ السلطةِ العليَا ـ فيمَا يظنُّهُ من أمورِ الدينِ ـ ؛ لأصبحَ قانونُ الدولةِ مُتوقفًا ـ ولا شَكَّ ـ على الأحكامِ الشخصيَّةِ ، وعلى الانفعالاتِ الفرديَّةِ ؛ إذ لا يلتزمُ أحدٌ بالقوانينِ الجاريةِ إذْ ظنَّ أنَّهَا مخالفةٌ لعقيدتِهِ أَوْ خُرافتِهِ ، وبهذه الحجةِ يسمحُ كلُ فردٍ لنفسِهِ أنْ يفعلَ ما يشاءُ ، ولـمَّا كان قانونُ الدولةِ يُنتهكُ كليَّةً في هذه الحالةِ ، فإنَّ السُّلطةَ العليَا التي هي المكلفَةُ وحدَهَا بناءً على حقِّهَا الإلهيِّ وحقِّهَا الطبيعيِّ بالمحافظةِ على حقوقِ الدولةِ وحمايتِهَا يكونُ لَهَا الحقُّ المطلَقُ في اتِّخَاذِ جميعِ الإجراءاتِ المناسبَةِ في موضوعِ الدينِ ، وعلى جميعِ الأفرادِ الالتزامُ بطاعةِ قراراتِ السلطةِ العُليَا وأوامِرِهَا في هذا الصددِ ؛ نظرًا إلى الولاءِ الذي وعدوهَا بهِ ، والذي يأمرُ اللهُ بالالتزامِ بِهِ التزامًا تامًا ، فإذا كانَ مُمَثِّلُو السلطةِ وثنيينَ ؛ فإمَّا أنْ يرفضَ المرءُ عقدَ أيِّ اتفاقٍ معهُمْ ، ويتعرضَ لأبشعِ الأضرارِ ، دونَ أن يفوضَ لهُمْ أيَّ حقٍّ ، وإمَّا أنْ يظلَّ على الولاءِ والطاعةِ لهُمْ ، ويحفظُ عهدَهُ لهُمْ إنْ طوعًا وإنْ كرهًا ، إذا ما تمَّ لَهُ عقدُ اتفاقٍ معهُمْ وتفويضِ الحقِ لهُمْ» .

    [«رسالةٌ في اللَّاهوتِ والسياسَةِ» : (ص/380-381)] .

    ويتطرفُ أكثرُ ويأبَى حتى إشرافَ أهلِ الدينِ على شؤونِهِ ، فيقُولُ : «فَلَا شكَّ أنَّ تنظيمَ شؤونِ الدينِ يقعُ على عاتقِ السُّلطةِ الحاكمةِ وحدَهَا» .
    ونرَى عند اسبينوزا نفسَ الملاحظةِ المهمَّةِ التي ختمنَا بها حديثنَا عنْ هوبز ، فنرَاهُ يقولُ : «إنَّ الدينَ لا تكونُ لَهُ قوةُ القانونِ إلَّا بإرادةِ مَنْ لَهُ الحقُّ في الحكمِ» .

    [(ص/422) ، وانظرْ : (ص/424)] .

    وهذَا يصبُّ في نفسِ المعنَى أنَّ اختيارَ الحاكمِ مِنَ الدِّينِ ما يسرِي في النَّاسِ كقانونٍ مدنيٍّ لَا يتنافَى عندَ اسبينوزا ومَنْ قبلَهُ هوبز مَعَ مفهومِ الدولةِ المدنيَّةِ ، والدينُ عندهُمْ حينَ يختارُ منهُ الحاكمُ ؛ فهوَ يختارُ منه باعتبارِهِ مجرَّدُ تعاليمٍ عقليَّةٍ يُختارُ منهَا ولا يُلزمُ بهَا .



    5 ـ «جون لوك» (1632-1704).
    رغمَ كونِ لوك هو آخرُ الفلاسفةِ المنظريِّنَ للدولةِ المدنيَّةِ من جهةِ أصالةِ التنظيرِ ؛ إلَّا أنَّ مفهومَهُ لَهُ هو أكثرُ المفاهيمِ شُيوعًا عندَ المتكلمينَ في هذِهِ القضيَّةِ ، ولرُبَّمَا ظنَّ بعضُهُمْ أن َّهذا المفهومَ هو ما كانَ يقولُ بِهِ «هوبز» أو «ميكيافيلي» ، وهذَا غيرُ صحيحٍ ، والصورةُ المتكاملةُ للدولةِ المدنيَّةِ كما تسبق للأذهان الآن و القائمةِ على مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ ، والعقدِ القائمِ بينَ الأفرادِ وبينَ السلطةِ العُليَا التي وصلتْ لمنصبِهَا بالانتخابِ ، وبأغلبيَّةِ الشعبِ ، والحفاظِ على مبدأِ فصلِ السلطاتِ ، وحقِّ الشعوبِ في الاعتراضِ والثورةِ ، هذه الصورةُ المركبَّةُ الشائعةُ = لَا تكادُ تُوجدُ مكتملةً كمفهومٍ للدولةِ المدنيَّةِ سوى عندَ جون لوك دُونَ باقي مَنْ ذكرناهُمْ من فلاسفةِ الدولةِ المدنيَّةِ .
    خالفَ جون لوك اسبينوزا في أنه لم يجعلْ للحاكِمِ المدنيِّ سلطةً على الكنيسةِ ، وخالفَ توماس هوبز مخالفةً عنيفةً فدعَا إلى فصلِ السلطاتِ ، وإلى حقِّ الشعبِ في الثورةِ على الاستبدادِ ، وإلى مبدأِ فصلِ السلطاتِ ، مخالفًا تقريراتِ توماس هوبز ، ووافقَهُ في وصولِ الحاكمِ لسدةِ الحكمِ بالانتخابِ والأغلبيَّةِ ، لكنَّهُ حافظَ على نفسِ حالةِ المفاصلةِ للدينِ ، ونزعَ المطلقَ عن الدولةِ .
    يقولُ جون لوك : «ينبغِي التمييزَ بوضوحٍ بينَ مهامِ الحكمِ المدنيِّ ، وبينَ الدينِ وتأسيسِ الحدودِ الفاصلةِ بينهُمَا..» (ص/23).
    وبعدَ أنْ يشرحَ مهامَ الحاكِمِ المدنيِّ المنحصرةِ في إدارةِ شؤونِ الدولةِ يقولُ : «وتأسيسًا على ذلك أودُّ أنْ أؤكدَ أنَّ سلطةَ الحاكمِ لا تمتدُّ إلى تأسيسِ أيَّةِ بنودٍ تتعلقُ بالإيمانِ أو بأشكالِ العبادةِ استنادًا إلى قوةِ القوانينِ» (ص/26).
    ثُمَّ يقولُ : «كلُّ ما أريدُ قولَهُ : هو أيًّا كانَ مصدرُ السلطةِ فإنَّ السُّلطةَ مادامتْ ذاتُ طابعٍ كنسيٍّ ؛ فيجبُ أنْ تكونَ مقيدَةً بحدودِ الكنيسةِ إذْ ليسَ في إمكانِهَا بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ أنْ تمتدَّ إلى الشؤونِ الدنيويَّةِ ؛ لأنَّ الكنيسةَ ذاتَهَا منفصلةٌ عَنِ الدولةِ ، ومتميزةٌ عنها تمامًا ، فالحدودُ بينهما ثابتةٌ ومستقرةٌ ، ومن يخلطُ بينَ هذين المجتمعينِ كمن يخلطُ بينَ السماءِ والأرضِ» (ص/36).
    ويقولُ : «ليسَ مِنْ حقِّ أحدٍ أنْ يقتحمَ ، باسمِ الدينِ ، الحقوقَ المدنيَّةَ والأمورَ الدنيويَّةَ».
    ويقول : «الكنيسةُ والدولةُ إذَا قنعَ كلٌّ منهما بالبقاءِ في داخلِ حدودِهِ ، الدولةُ ترعَى الرفاهيةَ الداخليَّةَ للدولةِ ، والكنيسةُ تنشغلُ بخلاصِ النفوسِ ؛ فإنَّهُ مِنَ المحالِ أنْ يحدثَ بينهما شقاقٌ» (ص/65) .
    ويقولُ : «فنُّ الحكمِ ينبغِي ألَّا يحملُ فِي طياتِهِ أيَّةَ معرفةٍ عَنِ الدينِ الحقِّ» .
    ويقولُ : «ما هو قانونيٌّ في الدولةِ لا يمكنُ للكنيسةِ أنْ تجعلَهُ محرَّمًا أو ممنوعًا».
    ويقولُ : «مِنَ الغباءِ أنْ يتصورَّ المرءُ أنَّ أيَّ إنسانٍ يمكنُ أنْ يكونَ مُلزَمًا في النهايةِ بطاعةِ أيِّ سلطةٍ في المجتمعِ إلَّا إذا كانت هي السلطةُ العُليَا».

    [«الرسالة الثانية في الحكم » : (ص/334 ـ العقد الاجتماعي)] .


    مَوْقِفُ الْإِسْلَامِ مِنْ نَظَرِيَّةِ الدَّوْلَةِ الْـمَدَنِيَّةِ وِفْقَ الْأَسَاسِ الْفَلْسَفِيِّ السَّابِقِ شَرْحُهُ


    1- سبقَ بيانُ رفضِ الإسلامِ المطلقِ والتامِّ للدولةِ الدينيَّةِ «الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ» المبنيَّةِ على إحدَى النظرياتِ الثلاثِ السابِقِ شرحُهَا ، وبهذَا يسبقُ الإسلامُ فلاسفةَ الدولةِ المدنيَّةِ في رفضِ تلكَ الدولةِ «الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ».
    2- ويسبقُ الإسلامُ أيضًا فلاسفةَ الدولةِ المدنيَّةِ في تقريرِ كونِ الشعبِ هو أساسُ اختيارِ الطبقةِ الحاكمةِ ، ورفضِ الحكمِ المغتصبِ على غيرِ إرادةِ الشعبِ ، على خلافٍ في آلياتِ تعيينِ إرادةِ الشعبِ ، ليسَ هذا محلَّ طرحِهَا .

    3- ويسبقُ الإسلامُ «جون لوك» إلى رفضِ النظريَّةِ الاستبداديَّةِ التي طرحَهَا «توماس هوبز» للسيادةِ الملكيةِ ، ويسبقُ الإسلامُ «جون لوك» في رفضِ ما طرحَهُ «اسبينوزا» حولَ سلطةِ الحكومةِ في تفسيرِ الدينِ ، ويسبقُ الإسلامُ «جون لوك» إلى تقريرِ أنَّهُ : «لَا طَاعَةَ لِـمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخالقِ» ، وإلى تقييدِ سلطةِ الحاكمِ في الأمورِ الدينيَّةِ وفقَ نصوصِ الشرعِ .

    4- ومفهوم السيادة في الإسلام خلاصته أنه لا سيادة لفرد (من الأمراء أو العلماء أو العامة) ولا لجماعة (بمجردها) على الأمة،والسيادة التي على الأمة وعلى الحاكم الذي ستختاره الأمة هي لنص الوحي ،مع وجود آليات لفهم نص الوحي(كتاباً وسنة) ليس بينها آلية تفيد عصمة ولا سيادة لأحد على الأمة.

    5- ويبقَى محلُّ الخلافِ الرئيسيِّ هو في رفضُ الإسلامِ التامِّ وإبطالِهِ المطلقِ لعزلِ الدينِ داخلِ دورِ العبادةِ كما يطرحُ ذلكَ «جون لوك» ، أو جعلُ قوانينِ وتشريعاتِ الدينِ مجردُّ أحكامٍ عقليَّةٍ لا تتحولُ لقوانينَ مُلزمَةً إلا إذا اختارَ ذلك الحاكمُ المدنيُّ كما يقولُ «هوبز» و«اسبينوزا».
    ولابُدَّ من التنبيهِ على أمرٍ مهمٍّ : وهوَ أنَّهُ لاشكَّ في كونِ الكنيسةِ ، وطبيعةِ تشريعاتِهَا ، وطبيعةِ الخلافِ بينها وبينَ الحكمِ الزمنيِّ هي أساسُ هذا النظرِ الفلسفيِّ ، لكنْ ما سبقَ أن دللْنَا عليهِ من عباراتِ الفلاسفةِ المذكورينَ يشيرُ إلى أنَّهُمْ لا يقصدونَ بالدينِ مجرَّدَ المسيحيةِ أو أنهم قد يقبلونَ مرجعيَّةً متجاوزةً أخرى دينيةً أو أخلاقيةً ، بل نصوصُهُمْ واضحةٌ في رفضِهِمْ لأيِّ سلطةٍ مُقَيِّدَةٍ لقوانينِ الحاكمِ سواءٌ من قال منهم أنَّ القوانينَ يضعُهَا الحاكمُ بنفسِهِ ، أو من قال منهم باشتراكِ الحاكمِ والسلطةِ التشريعيَّةِ البرلمانيَّةِ في وضعِهَا ، وسواءٌ من نصحَ بالاستهداءِ بالعقلِ والقانونِ الطبيعيِّ منهم ، ومن لم ينصحْ ، فالقدرُ الثابتُ : هو رفضُهُمْ جميعًا لأيِّ مرجعيَّةٍ متجاوزةٍ دينيَّةٍ أو أخلاقيَّةٍ تكونُ لها سلطةٌ أعلى مِنَ السُّلطةِ التشريعيَّةِ ، فالأمرُ قد تجاوزَ المسيحيَّةَ إلى مطلقِ الدينِ والمرجعياتِ المتجاوزَةِ ، ولابُدَّ من التَّنَبُّهِ لهذه الحقيقةِ ؛ لكي نكتشفَ بسهولةٍ بعد ذلك خطأُ صياغةِ بعضِ كُتَّابِ الإسلامِ السياسيِّ لمفهومِهِمْ للدولةِ المدنيَّةِ .
    نَعُودُ فنقولُ : إنَّ الإسلامَ يرفضُ بشكلٍ مطلقٍ وتامٍّ عمليَّةَ العزلِ لَهُ عن الحياةِ المدنيَّةِ والسلطةِ التشريعيَّةِ ، فالإسلامُ دينٌ تامٌّ شاملٌ لجميعِ مناحِي الحياةِ يحكمُهَا بالنصِّ تارةً ، وبالسكوتِ والعفوِ أُخرَى ، والحاكمُ في التصورِ الإسلاميِّ لَهُ نطاقانِ في التشريعِ :
    الْأَوَّلُ : «الاجتهادُ في فهمِ ما نُصَّ عليه من أحكامِ الشرعِ وتطبيقِهِ».
    الثَّانِي : «الاجتهادُ في التشريعِ للأمةِ فيما لا نصَّ فيهِ ، وفيما سكتَ عنه الشرعُ».
    وهذا الاجتهادُ قد يكونُ بنفسِهِ إنْ كانَ مجتهدًا كعمرَ بنِ الخطابِ مثلًا ، أو بواسطةِ مشورةِ العلماءِ ومراجعتِهِمْ كأكثرِ حكامِ المسلمينَ .
    ونصوصُ الوحيِ الدالة على ذلك التقرير السابق أشهرُ من أن تُذكرَ .
    وبالتالِي فمفهومُ الدولةِ عندَ هؤلاءِ الفلاسفةِ هو مفهومٌ لدولةٍ مدنيَّةٍ مطلقةٍ عن أيِّ مرجعيَّةٍ متجاوزةٍ ، وهذا المفهومُ المتغولُ المتوحشُ لا يقبلُهُ الإسلامُ ، ويرى فيه تضييعًا للشعوبِ ، وإهدارًا لكرامتِهِمْ ، وتسييرًا لمصائِرِهِمْ ، بحيثُ تكونُ تحتَ سلطةِ عقولٍ قاصرةٍ لا يمكنُ موازنتَهَا بحكمِ اللهِ الذِي اختارَهُ لعبادِهِ ، معَ تفريقِ الإسلامِ الدائمِ والمستمرِّ بينَ الوحيِ ، وبينَ فهمِ المجتهدينَ للوحيِ، فلا يعطِي لهذا الفهمِ قداسةً بمجردِهِ ، وإنَّمَا بما معَ هذا الفهمِ مِنَ الْحُجَجِ الدالةِ على أنَّ هذا الفهمَ هو مرادُ اللهِ بالوحيِ .
    فهذه الدولةُ المطلقةُ عن أيِّ مرجعيَّةٍ ، أو التي تتعاملُ مع الدينِ بالاختيارِ بمجرَّدِ الذوقِ والهوَى لا يقبلُهَا الإسلامُ ويراهَا جاهليَّةً ما أُرْسِلَ النَّبِيّ

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 1:56 am